سيد محمد طنطاوي
344
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب : أن المراد بالشاهد هنا : الحاضر في ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة ، والرائي لأهواله وعجائبه . وأن المراد بالمشهود : ما يشاهد في ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان . وقال - سبحانه - * ( وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ ) * بالتنكير ، لتهويل أمرهما ، وتفخيم شأنهما . وقوله - تعالى - * ( قُتِلَ أَصْحابُ الأُخْدُودِ ) * جواب القسم بتقدير اللام وقد . أي : وحق السماء ذات البروج ، وحق اليوم الموعود ، وحق الشاهد والمشهود ، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود ، وطردوا من رحمة اللَّه بسبب كفرهم وبغيهم . والأخدود : وهو الحفرة العظيمة المستطيلة في الأرض ، كالخندق ، وجمعه أخاديد ، ومنه الخد لمجارى الدمع ، والمخدة : لأن الخد يوضع عليها . ويقال : تخدد وجه الرجل ، إذا صارت فيه التجاعيد . . ومنه قول الشاعر : ووجه كأن الشمس ألقت رداءها عليه ، نقى اللون لم يتخدد وقيل : إن جواب القسم محذوف ، دل عليه قوله - تعالى - : * ( قُتِلَ أَصْحابُ الأُخْدُودِ ) * كأنه قيل : أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود . وأصحاب الأخدود : هم قوم من الكفار السابقين ، حفروا حفرا مستطيلة في الأرض ، ثم أضرموها بالنار ، ثم ألقوا فيها المؤمنين ، الذين خالفوهم في كفرهم ، وأبوا إلا إخلاص العبادة للَّه - تعالى - وحده . وقوله - سبحانه - : * ( النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ ) * بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود . والوقود : اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه . وذات الوقود : صفة للنار . أي : قتل وطرد من رحمة اللَّه أصحاب الأخدود ، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد ، لكي يلقوا المؤمنين فيها . والظرف في قوله - تعالى - * ( إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ) * متعلق بقوله - تعالى - : * ( قُتِلَ ) * . أي : لعنوا وطردوا من رحمة اللَّه ، حين قعدوا على الأخدود ، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين . فالضمير « هم » يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار ، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد في التعذيب حتى لا يتهاونوا في ذلك .